"سر الهوى".. رواية صبحي موسى ترصد قرنين من التحولات السياسية في مصر عبر الفانتازيا والأسطورة
الاثنين 9 فبراير, 2026صدرت حديثا عن دار صفصافة للنشر بالقاهرة، رواية "سر الهوى" للكاتب صبحي موسى.
الرواية الجديدة، انتهى مؤلفها من كتابتها في فبراير 2020، ورفضت دور نشر عديدة طبعها دون إبداء للأسباب، ما جعلها حبيسة الأدراج لخمس سنوات كاملة، نشر خلالها صبحي موسى ثلاث روايات هي "نادي المحبين"، "وجوه طنجة"، "كلاب تنبح خارج النافذة"، فضلا عن كتابه "تحولات الثقافة في مصر"، "مأزق التنوير العربي".
تدور أحداث رواية "سر الهوى" حول حياة عجوز طاعن في السن يدعى الشهايبي، ينتظر الجميع موته لأسباب تخصهم، من بينها الميراث الذي يبحث عه وينتظره منذ زمن أبناؤه حمدان وسعد ومها زوجة ابنه يونس، وأحيانا الغيرة من كونه عاش حياة طويلة حافلة بكثير من الأساطير والمغامرات كجاريه عيد الزامل وحسن العطيفي، أو لأسباب عاطفية كجارته أم الفرح. لكنه كلما توقع الاس موته كان ينهض من جديد كما لو أنه استمد روحا من أرواحه السبعة.
لا يبتعد كثيرا موسى في هذا العمل عن بقية أعمله، حيث مارس كعادته لعبته الأثيرة مع الأسطورة وصناعتها، جاعلا من الشهايبي واحدا من هذه الأساطير التي عرفها القارئ في أعماله السابقة "صمت الكهنة"، "المؤلف"، "حمامة بيضاء"، "أساطير رجل الثلاثاء"، "الموريسكي الأخير"، "نقطة نظام"، "صلاة خاصة" وغيرها، فالشهايبي لا أحد يعرف متى ولد، لكن الأساطير التي تحيط بميلاده تذكرنا بالأساطير الت تحيط بميلاد الأنبياء والرجال ذوي القداسة، إلا أن قداسة الشهايبي من نوع خاص، فهو صاحب سر يجعل النساء تنجذبن إليه بمجرد رؤيته، فضلا عن قوته في ممارسة الحب معهن، وفي الوقت الذي لا يستطعن أن ينسين ارتباطهن به، فإنه يكون قد جدد حياته عبرهن، وأمدها بروافد جديدة لبقائه قويا ومنتصرا على الزمن.
تقول الأسطورة إن الشهايبي ولد على يد الجن، وأنهم الذين قطعوا له خلاصه في ليلة مظلمة وضعته فيها أمه وحدها، وماتت في الظلام وحدها، تقول أيضا أنه أحب فتاة في الرابعة عشر من عمره، وكتب عليها في السادسة عشر، وقبل أن يدخل عليها بأيام أوعزت زوجت أبيه لرجال الشرطة أن يأخذوه إلى الجهادية، حيث غاب خمس سنوات كاملة شهد فيها الحرب العالمية الثانية من على ضفاف قناة السويس، وحين عاد طردته زوجة أبيه من بيتها، ورفض والد عروسه أن يزوجه بها، فما كان منه إلا أن أخذها منه بالقوة، وذهب ليبني بها على غرفة صغيرة في أرض طرح النهر خارج زمام البيوت والقرى، في مكان كان مسرحا للجن واللصوص وقطاع الطرق، هؤلاء الذين كان عليه أن يصبح واحدا منهم كي يكون له مكان في الحياة، فكان دوره أن يصبح تاجر ماشية، يضعون ما يسرقونه في حظيرته، وهو يقوم بتصريفه لهم.
تقول الأسطورة التي نسجها صبحي موسى على مهل، إن الشهايبي أحب فتاة يهودية في مدينة قريبة من قريته، لكنها تركته وذهبت إلى أرض الميعاد، بينما شاركه شقيقها عازر في تجارته، ثم باع البضائع ومخازنها لتاجر من محافظة بعيدة، وفر هاربا كي يلحق بشقيقته إستير، فلم يجد الشهايبي أمام سوى أن يتطوع للحرب في مواجهة العدوان الثلاثي، وحين قرر ناصر أن يلتقي بالمتطوعين بعد الحرب، أخبره الشهايبي أنه تطوع للحرب خصيصا كي ينتقم من اليهود الذين سرقوه، فأمر له ناصر بخمسة أفدنة من الاصلاح الزراعي، وكاد عمدة قريته أن يضعه في الفلكة بعدما اعتدى بالضرب علي حماه ورجاله، لكن ناصر أنقذه من الضرب، حين دخل الخفير بالجريدة على العمدة كي يرى صورة الشهايبي في صفحتها الأولى وهو يسلم على ناصر، فأمر العمدة بأن يجلس مكانه ويحكم بين الناس طيلة اليوم بدلا منه.
هكذا وضع صبحي موسى العديد من المواقف الساخرة والمثيرة التي أسهمت في صناعة أسطورة الشهايبي، مازجا ما بين تاريخه الشخصي والتاريخ العام للبلاد وللقرية التي أنشأها من جملة ساخرة، فقد نشأت البيوت حول الغرفة التي أقام فيها على أرض طرح النهر، وتمددت حتى أصبحت قرية صغيرة، فأتى رجال الحكومة ليسألوه عن اسم هذه القرية، فقال لهم وهو يفكر في نسائه العديدات قائلا "سر الهوى"، ورغم أنه كان يمزج أو يسخر من السؤال إلا أنه فوجئ بعد عدة أشهر بوجود مينى عليه لافتة تقول "الجمعية الزراعية في سر الهوى"، لكن ما كان لرجال الحكومة ا يأخذوا حديث رجل كالشهايبي على سبيل المزاح أو السخرية، فهو صديق الباشا عضو مجلس الثورة الذي يتم ترشيحه في مجلس الشعب عن الدائرةة التي مركزها قرية الشهايبي، وحين ينزل الى الدائرة لابد أن يصطحب الشهايبي معه في جولته على كبار العائلات في قرى الدائرة، وذلك لأن الشهايبي أصبح أبرز تاجر ماشية، يعرفه الجميع في الأسواق وفي الحقول، وهو أيضا رجل معركة المياه التي كادت القرية أن تهلك فيها، بعد قطع رجالها الجسر مخالفين أوامر الحكومة، ليرووا أرضهم، وكلما جاءتهم قوة من المركز أو المدينة قاموا بضربها وأخذ سلاحها منها، حتى أذاع راديو اسرائيل خبرا قال فيه أن قرية في شمال الدلتا استقلت عن زعيم العالم الثالث، فما كان من ناصر إلا أن قطع الاجتماع الذي كان فيه، وأمر بإزالة هذه القرية من الوجود، فتوجه رطل من الدبابات لتنفيذ أوامره، هنالك استجار الناس بالشهايبي، فاتصل بصديقه عضو مجلس الثورة ليأتي إلى القرية، وهناك حملته سيدة على كتفها ووقفت به أمام الدبابات، فما كان من قائد الرطل إلا أن سمح له بأن يجري محادثة مع ناصر، ورغم موافقة الأخير على عودة الدبابات من حيث أتت، إلا أنه أمر باستباحة القرية مدة اربعين يوما بحثا عن السلاح.
لم يكتشف الشهايبي سره إلا حينما ذهب إلى القاهرة ليسدد ثمن خمسة أفدنة اشترها من الإقطاعي الذي كان يسيطر على أرض القرية، ولكنه حين علم بقرب صدور قوانين الإصلاح الزراع قرر أن يبيعها للناس مقابل شيكات يتقاضاها منهم، فحصل الشهايبي على خمسة أفدنة سدد ثمنها من أول حصاد للقطن، وقرر أن يروح عن نفسه فطلب من ساق الحنطور أن يذهب به إلى مكان يليق بتاجر مثله، فأخذه إلى أحد بيوت كلوت بيك، إلا أن التجربة تعمقت حين التقي بنجمة التي تعاني من صداع لا يزول إلا بممارسة الحب، كان يومها يبحث عن علاج لابنه حمدان في المستشفى، فقد انتابته نوبات الفزع والرعب حين رأى البقرة تسقط في البئر أمام عينيه، فأخذ يذبل ويضعف حتى أوشك على الموت، يومها قالت له نجمة أنها تعرف كاوية يمكنها أن تداويه، لكنها يجب أن تأخذ حقها أولا، وحين أخذته للسؤال عن الكاوية أخذته إلى أحد بيوت الهوى التي تديرها سيدة اسمها المليحة، وهناك التقى بالكاوية التي اشترطت أن تمارس معه الحب مرتين، واحدة قبل العلاج والثانية بعده، ومع الوقت أصبح زائرا أساسيا لبيت المليحة، هذه التي انجذبت إليه بعدما احتارت بناتها في معرفة سره، فقررت أن تغامر بنفسها لمعرفة السر.
تعددت علاقات الشهايبي ونسائه، بعضهن من بيوت الهوى، وكثيرات كن من خارجه، لكنهن جميعا انجذبن إلى الشهايبي بحثا عن هذا السر الذي يناديهن إليه، لكن الشهايبي لم يتزوج إلا فاطمة التي أحبها ورفض أن يذهب مع الانجليز إلى بلادهم من أجلها، وقرر أن يعود للزواج بها، وحين رفض والدها أن يتمم زوجه منها خرجت بصرة ملابسها معلنة أنها ستذهب مع زوجها، حين شعر الشهايبي أنها طوقته بأمر عظيم، وأنه لا يمكنه أن يخذلها، فأقسم لها ألا يتزوج عليها، ورغم إلحاج زبيدة التي أحبها كثيرا للزواج منه إلا أنه رفض طالما فاطمة على قيد الحياة، وحين توفيت فاطمة قرر أن يلبي لزبيدة طلبها، لكن أبناءه رفضوا، ووقفوا جميعا ضدا، وتمنوا له الموت مرات عديدة كي لا يتسبب لهم في فضيحة الزواج في هذا السن.
اختار صبحي موسى لروايته نهاية أسطورية تتوازى مع شخصية الشهايبي، هذا الذي ولد على يد الجن ولا يعرف أحد بدايته، ولديه سر عظيم يأسر النساء نحوه، ومن ثم قرر الكاتب أن ينهي عمله على نحو مواز من أسطورية الشهايبي، فجعل جاره عيد الزامل يأخذه إلى سيدة صغيرة السن فائقة الجمال، لكنها كلما تزوجت ثلاث مرات، وجميعهم ماتوا بعد زواجهم منها، حين ذهب الشهايبي لرؤيتها شعر أن البرود تنتشر في جسده، وأن روحه تنسحب منه، فقرر ألا يوافق الزامل على الزواج منها، إلا أنه قرر أن يدرجها ضمن قائمة النساء التي يوزع عليهن معاشه. لكن الزامل حين رأى غضب حمدان على الشهايبي، ورغبته في الخلاص منه، قرر أن يدله على عزة، ويقنعه أن حله يكمن في تزويجها لوالده، فتحايل الأخير كي يزوحه منها، مستفيدا من انتشار البرد في جسد الشهايبي وضعف روحه أمامها، وعدم قدرته على الحديث، ولم تمض ساعة على تركهما وحدهما حتى صرخت عزة بأن الشهايبي مات، وأتى الطبيب ليؤكد ذلك، لكن عمر اين الشهايبي الذي يعمل صحفيا في المدينة، أتى مسرحا، وقرر أن يأتي بزبيدة كي تودع حبيبها الوداع الأخير، تاركا لها الغرفة كي تفيض بمشاعرها تجاهه، ثم سرعان ما عاد ليأخذها إلى بيتها قبل أن يدخل المغسلون عليها في غرفة الشهايبي، وما أن تركها في بيتها وعاد حتى وجد الجميع إن كان قد رأى جثة والده، تلك التي بحثوا عنها فلم يجدوها، فأخذ يبحث معهم، موقنا أن الشهايبي قرر أن يسخر من الجميع.
هكذا قدم صبحي موسى أسطورته الجديدة، ما بين التاريخ والواقع والفانتازيا والخرافة، ما بين الحقيقة والوهم، مؤرخا لنحو قرنين من التحولات التي شهدها الريف، وما حدث من تحولات في الأنظمة السياسية، من الملكية إلى الجمهورية، مرورا بصراع الصقور والحمائم في نهاية دولة مبارك، قبل أن تأتي ثورة يناير بوجوه جديدة ورجال آخرين، لكن الشهايبي ظل قويا كما هو، كلما ظن الناس أنه سيموت وجدوه انتفض من جديد، مستمدا واحدة من أرواحه العديدة.